شعر

أوكتافيو باس: الشاعر في متاهته

شادي روحانا

مكسيكو | احتفلت المكسيك هذا العام بمئوية ولادة أوكتافيو باس لوسانو (1914-1998)، الشاعر، والمفكّر والسياسيّ صاحب جائزة «نوبل» للآداب لعام 1990. تخلّلت الاحتفالية قراءات شعريّة لباس في المكسيك وخارجها، وتُوجت بندوة دوليّة عن فكر الكاتب وخياله اللذين شغلا لا الحياة الثقافية والأدبية في المكسيك فحسب، بل الأوساط الثقافية في أنحاء عديدة من العالم أيضاً طوال سنوات حياته.

هذا ما دلّت عليه قائمة المشتركين في الندوة بعنوان «بين أوكتافيو باس وعالم القرن الواحد والعشرين» التي شملت كلاً من الناقد والمفكر البلغاري تزفيتان تودوروف، والكاتب الإسباني خوان غويتيسولو، والنيجيري وولي سوينكا صاحب «نوبل» للآداب عام 1986، والفرنسي غوستاف لوكليزيو صاحب «نوبل» عام 2008 وآخرين.

كان باس ابن القرن العشرين بامتياز، ذلك «القرن المسعور» على حد قول إحدى أغنيات التانغو الأرجنتينيّة، الـ Cambalache. فهو المولود في السنة ذاتها التي اندلعت فيها الحرب العالميّة الأولى، والذي واكب في طفولته وشبابه أحداثاً وتقلّبات وتحولات تركت بصماتها على جيلٍ كامل من الأدباء في العالم. هذا ما تطرّق إليه باس في خطابه الأول بعد ساعات من تبليغه فوزه بجائزة «نوبل»، وكان ذلك أثناء وجوده في نيويورك عام 1990 وهو يعدّ لبعض القراءات الشعريّة في المدينة:

«كان هذا القرن قاسياً جداً علينا. هو قرن معسكرات الاعتقال النازية والستالينيّة؛ حربين عالميّتين؛ القنبلة النوويّة؛ والحروب الإقليمية، ولكن، كانت هناك لحظات تتسم بالعظمة. أولاً، هناك الشهداء، الضحايا. في كلّ مرّة نتكلم فيها عن الحريّة، علينا أن نتذكر أولئك الكتّاب الذين قاموا بالواجب وهم أسرى داخل معسكرات الاعتقال في ألمانيا، في روسيا، في سجون أميركا اللاتينية وفي إسبانيا فيديريكو غارسيا لوركا».

إن استحضار باس لاسم لوركا لا يعود إلى كون الثاني صاحب ديوان شهير بعنوان «شاعر في نيويورك» فحسب، بل يعود، أساساً، إلى مدى تأثّر شعر باس وفكره بشعر لوركا وحياته وظروف مماته (كذلك الحال بالنسبة إلى جيلٍ كاملٍ من شعراء اللغة الإسبانية في إسبانيا وأميركا اللاتينية). بعد مرور عام واحدٍ على إعدام لوركا رمياً بالرصاص في غرناطة على يد جنود الجنرال فرانكو، ورمي جثته في أحد القبور الجماعية، زار باس إسبانيا الغارقة في أتون الحرب الأهلية بين فاشيين وجمهوريين عام 1937، وهو ناشط شيوعيّ ابن 23 عاماً، بدعوة من الشاعر التشيليّ بابلو نيرودا للاشتراك مع العديد من المثقّفين في أعمال المؤتمر الدولي للكتّاب ضد الفاشيّة. فور عودته إلى المكسيك، نشر باس أنطولوجيا بعنوان «تحية من المكسيك إلى شعراء إسبانيا في العام الثاني على نضالهم المجيد»، في مقدّمتها نعتَ لوركا بالشاعر الذي قُتل «لا بسبب أفكاره السياسية، بل بسبب أفكاره الحيّة البسيطة والعملاقة وشعره المُصان بالكرامة والعالمية بتعبيره عما هو الأكثر حلكة والأكثر ضرورةً في عمق الانسان».

نعود ونرى لوركا في شعر باس بعد 16 عاماً في شعره Escrito con tinta verde، أي «مكتوب بالحبر الأخضر»، في إشارة إلى قصيدة لوركا الشهيرة «خضراء أحبك خضراء»، Verde te quiero verde: «الحبر الأخضر يخلق حدائق، غابات، مروج/ وأوراق شجر حيث تغنّي الكلمات/ كلماتٌ هي شجر/ جُملٌ هي كوكبة من النجوم الخضراء/ اسمحي لكلماتي بأن تهطل وتغطّي بياضك/ مثل مطر من الأوراق على حقل من الثلج/ مثل ورق اللبلاب على تمثال/ مثل الحبر على هذه الورقة/ ذراعين، خصر، رقبة، ثديين/ الجبين طاهر كالبحر/ مؤخّر العنق هو غابة في الخريف/ الأسنان التي تعضّ هي ورقة عشب/ جسمك كوكبة من مشاهد خضراء/ مثل جسم الشجرة المغطى ببراعم خضراء/ لا يهمّك الندب، لا حجمه ولا مدى إشراقه/ بل أنظر نحو السماء ونحو وشمها الأخضر من النجوم». في هذه القصيدة يغذّي باس فعل الكتابة ويمتّنه؛ فالحافز على الكتابة قد يكون الإبداع الأدبي نفسه أو الحبيبة على حد سواء، والورقة والحبيبة كلتاهما تتلقى القصيدة كصفحة بيضاء. هذا هو حال العديد من قصائد باس ونصوصه، حيث من المستحيل التمييز بين فعل الحب وفعل الكتابة، والشاعرية فيها تمثل فنّاً من فنون الحب.

كان باس ابن القرن العشرين بامتياز، ذلك «القرن المسعور» على حد قول إحدى أغنيات التانغو الأرجنتينيّة

وبالرغم من سريالية هذه القصيدة وقصائد أخرى مستوحاة من لوركا، فإن شعر باس على مرّ القرن العشرين، كمواضيع كتاباته النقديّة، لا يمكن تصنيفه تحت أيٍّ من التسميات التي يمنحها النقّاد، وهذه المواضيع تراوح بين الوجودية، والسريالية، والروحانية التأملية. أما كتبه النقدية، فهي تشمل شتّى المواضيع، من تاريخ بلاده المكسيك وهويتها، إلى مفهوم الحب والإيروتيكية في الفكر الغربي، وحتى كتابه الأخير قبل مماته، عن حياة الهند الثقافية والفلسفية والسياسية، الذي يستند فيه إلى تجربته هناك، خلال عمله سفيرا للمكسيك بين 1962 حتى استقالته عام ،1968 احتجاجاً على اضطهاد الحكومة والجيش للحركة الطالبية في ذلك العام.

بين الشاعر، وكاتب المقالة، والصحافي، والمترجم، والسياسي؛ بين اليساريّ الشيوعيّ الذي أعلن تضامنه مع الألوية الدولية في الحرب الأهلية الإسبانية، إلى المثقف العضوي الذي برّر السياسة النيوليبرالية للحكومة والحزب الحاكم واضطهادهما للحركات الاجتماعية في المكسيك في سنوات التسعينيّات، يجب تجنّب التعميم عند تقديم أوكتافيو باس إلى القارىء العربيّ، وخصوصاً أن عدداً قليلاً من أعماله تُرجمت إلى اللغة العربية. لكن يقول تلميذ باس المؤرخ المكسيكي إنريكي كراوزة في مقالته المنشورة في «نيويورك تايمز» في مناسبة مئويته: «كان باس وفيّاً لميراثه الرومانسي. كان باس واثقاً دوماً بالقوة الثورية الكامنة في الشعر وبمقدرتها على كشف العالم وتغييره»، وفي ذلك إشارة إلى كتاب «متاهة العزلة» الذي صدر عام 1950 ومثّل نقطة مفصلية في تجربة باس كشاعر وكاتب، وفي تاريخ الفكر المكسيكيّ المعاصر أيضاً.

وبخلاف الأنماط الفكرية الرائجة في أواسط القرن العشرين التي تعاملت، بشتّى تيّاراتها الأنثروبولوجية، والاجتماعية، والنفسية والأيديولوجية، مع الواقع المكسيكيّ من وجهة نظر عامّة (أي النظريّات التي أخذت تفسّر الواقع الاجتماعي والثقافي من منظور ثنائيات الحداثة-التخلّف، والتنمية-التأخر، وعلاقة التبعية بين دول الهامش والمركز)، أراد باس في كتابه «متاهة العزلة» استرجاع المكسيك إلى خصوصيّتها التاريخية ومكانتها اللتين تميّزانها عن سائر بلدان العالم. لذلك، فقد أُعيد نشر هذا الكتاب وتنقيحه وتحريره مرّات عديدة حتى وفاة الكاتب من أجل مواكبة الأحداث المهمّة التي حصلت في المكسيك خلال حياته، وكان لها أثرٌ كبير في حياة البلاد وهويتها، أهمّها مذبحة تلاتيلولكو عام 1968 التي اقترفتها السلطات بحق طلاب الجامعات والثانويات يوم الثاني من تشرين أول، وراح ضحيتها حوالى 300 طالب.

فيما بات يُعرف بـ «ليلة تلاتيلوكو»، كان باس يشغل منصب سفير المكسيك في العاصمة الهندية نيو دلهي، حيث استقال من منصبه فور وصول أخبار المذبحة. يقول باس في «متاهة العزلة»: «أيّ ردّ فعل مبالغ فيه أو مُفرط لأيّ كائن حيّ يكشف عن حالة الخوف وعدم الثقة بالنفس التي يعيش فيها. فالتصلّب، في علم الحيوان والنبات، يدلّ ليس على الشيخوخة فحسب، بل يدلّ أيضًا على عدم القدرة على التغيّر. تكشف لنا مذبحة تلا تيلولكو أن هناك ماضياً، ظننّا أنه مدفونٌ، لكنه لا يزال حياً يُرزق بيننا. في كل مرّة يطفو فيها هذا الماضي على سطح الماء، يظهر كرجلٍ مقنّع ومدجّج بالسلاح ؛ لا نعرف من هو ذلك الرجل سوى أنّه يبحث عن الدمار والثأر».

عاد باس إلى المكسيك عام 1971 عند نهاية حكم دياز أورداز، أي بعد ثلاثة أعوام من المنفى الاختياري، قضى فيها حياته معلّماً في عدّة جامعات في الولايات المتحدة الأميركية. باستثناء خلافهِ العلني مع النظام عبر صفحات مجلة Plural، أي «التعددية»، التي كان باس مؤسّسها ومحرّرها، وفيها هاجم النظام على ازدواجية الموقف بين الإعلان عن «انفتاح ديمقراطيّ» واضطهاد النظام المستمرّ للحركة الطلابية والمواطنين من جهة أخرى.

عاد باس ليشغل محل المثقّف العضوي للدولة المكسيكية والحزب الحاكم. بالرغم من كتاباته السابقة حول ضرورة استقلالية المثقّف عن الدوائر الحاكمة، سرعان ما تحوّل باس إلى سلطة ثقافية في المكسيك بواسطة منصبه غير الرسمي كمستشار النظام للشؤون الثقافية، وصاحب اليد الطولى في كل ما يتعلّق بسياسة النظام الثقافية، كتخصيص الميزانيات وتوزيع المنح الرسمية على الفنانين في البلاد، وتعيين الكتّاب في مناصب سياسية، وممارسة سلطته للتدخل في مضامين شبكات الإعلام ودور النشر الرسمية وغير الرسميّة.

في ذكرى مئويته وفي بداية القرن الواحد والعشرين، تفرض متاهة أوكتافيو باس قراءة مسيرته الأدبية والسياسية على غرار قراءة باس لتاريخ بلاده، المكسيك: ككلٍّ نابض بالحياة، لا كميّت، وبالتالي فهو يحتوي على تناقضات لا نهاية لها. تناقضات امتزجت بالسياسة والمواقف الأديولوجية، وهي تفاصيل غابت عن معظم، إن لم نقل عن كل، الترجمات التي قُدّم فيها إلى القارئ العربي، حيث اكتفت تلك الترجمات بتقديم شعره والإضاءة على عوالمه ومناخاته الأدبية والشعرية.

قصائد مختارة

إخاء

إنسانٌ أنا: لن أعمّر طويلاً

والليلُ عظيمٌ من حولي

أحدّقُ في الأعلى؛

فأرى النجوم تكتب

ودون أن أدرك،

أشعر أنّني كتابة أنا أيضاً ،

وفي هذه اللحظة بالذّات

ثمة من يتهجّاني

هذا الجانب

ثمة ضوء، نلمسه ولا نراه،

وفي وضوحه الخاوي

يرتاح ما نرى ونلمس،

أمّا أنا، فأرى بأطراف أصابعي ما تتقرّاه عيناي:

ظلالاً ، وعوالمَ

أرسم بالظلال العوالم،

أشتّتُ العوالم بالظلالِ

وأسمعُ الضوء ينبض في الجانبِ الآخر.

شجرة في الداخل

نبتتْ في جبيني شجرةٌ

نمت في الداخل

جذورُها شرايينٌ

وأعصابٌ أغصانُها

أوراقها المتشابكةُ أفكارٌ

نظراتُكِ تضرمٌ النارَ فيها

فتغدو ثمارها التي من ظلال

برتقالاتِ دمٍ ورمّانَ ضوء

ويطلع النهار

في ليل الجسد،

هنا، في الداخل، في جبيني،

تتكلمُ الشجرة،

اقتربي، هل تسمعينها؟

انحدار,/strong>

لم أكن دون كيشوت يوماً

لم أقوّمْ أيَّ اعوجاج

(مع أنّه حدث أنْ رماني بعض المساجين بالحجارة)

لكنّني أريد، مثله

أن أموت مفتوح العينين

أن أموت مدركاً أنّ الموت يعني الرجوع إلى هناك

حيث لا نعرف ؛ وحيث ننتظر بلا رجاء

أريد أن أموت متصالحاً مع الأزمنة الثلاثة

والجهات الخمس؛

حيث تغدو الروح ( أو ما ندعوه كذلك) شفيفة

ليس الإشراق ما أطلبُ؛

بل أن أفتح عينيّ، أن أنظر

أن ألمسَ العالم بنظرة شمسٍ تنسحب؛

أطلبُ أن أكون طمأنينة الدُّوار،

ضمير الوقت، ورفّةَ جفن الروح المحاصَرة؛

أطلبُ ،في وجه السعال، والقيء، والعبوس،

أن أكون نهار صحوٍ

ضوءاً مبْتَلاً على أرض مطرٍ جديد

وأن يكون صوتك أيّتها المرأة، فوق جبيني،

مناجاة نهر لنفسه بهدوء،

أطلبُ أن أكون وميضاً سريعاً، توقُّف الظلّ فجأة،

فوق موجة تلك اللحظة: ذاكرةَ و نسياناً،

وفي النهاية،

ذاتَ الضوءِ الخاطف.

ريحٌ، ماءٌ، صخر

الماء يحفر الصخر

الريح تبدد الماء

الصخر يصدّ الريح

ماءٌ، ريحٌ، صخرٌ

الريحُ تنحتُ الصخر

الصخرُ قدحٌ للماء

يتبخر الماء، فإذا هو ريح

صخرٌ، ريحٌ، ماء

الريح في أبراجها تغني

الماء ينسابُ هامساً،

جامداً، لا ينبسُ الصخرُ ببنتِ شفة

ريحٌ، ماءٌ، صخر

كلٌّ منها آخر، كلّلٌ منها لا أحد

إنها تعبر وتختفي

ماءٌ، صخرٌ، ريحٌ

(ترجم

مَزارٌ بِجَنبِ الطريق/ بسام حجار

إنّي لا شيء

وحديثي عابرٌ،

مِثْلي،

بين عابرينَ،

لذلكَ

أتحدّثُ عنكَ

إنّي أتحدّث عنكَ

لا عن ظلّكَ الجالسِ –

وحيدًا –

تحت سكون الشجرةِ

عند المفترَق

حيث أعمدة تلغراف قديمة منزوعة الأسلاك،

وعابرون يمرّونَ بِسَهْوِكَ

ولا يلتفتون

إنّي أتحدّث عنكَ

لا عن خيالك الماثل أمام عينيّ أو منامي

أتحدّث عنكَ

لا عن المصباح الذي يرفع الظلَّ إلى مصافِ الساحرات

اللواتي كُنّ

ظلالًا ماكرة

ولا عن الأعراقِ التي استخرجتها الأيدي الحاذقةُ

من جوفِ الأرض،

ولا عن المناجم التي كانت تُسمّى،

في حياةٍ أخرى،

مملكةُ الكدّ وأهراء الشقاء

لم يبق أحدٌ

لا أحد هنا سوى أنتَ

ملاذ الهَاجرين بيوتهم إلى الأبد،

لا أحد هنا،

وملاذُكَ أنتَ مثل هذا الأرق الطويلْ

لا أحد هنا يحبّ الحجَرَ

أو يأنَس إلى برودتِه

وصمتِه

حتّى المناماتِ المُرعِبَةِ لم تُبقِ للحجَرِ معنىً

حتّى الشجرة العاقر

لم تثمر يومًا حصاة

إنّي أتحدّث عنكَ،

بفصاحةِ التوهّمِ،

أنتَ

وحدك الحقيقي،

صامتٌ وباردٌ ومزهوّ بصمتِكَ وبَرْدِكَ،

أنتَ

وحدك الحقيقيّ

وإذا أعيتنا الحيلةُ في أمرِ موتانا

جئنا بتقوانا إليكَ

ورِعينَ، مُطرقينَ،

مضمومي الأيدي،

متوسّلينَ

أن تكون ملاذاً لذكرياتنا

وحسراتنا

وخشيتنا من كونكَ الملاذ الأخير

إنّي أتحدّث عنكَ

– كما يتحدّث أحياءٌ عن أحياءٍ مثلهم –

وأتحدّث عن جوفِكَ

 الذي هو نارٌ خامدة،

 نارٌ باردة،

عن ملمَسِكَ الخشِن الذي يشبه الضغائن الدفينة،

ملمَسِكَ المخادِع

الذي يسري خدرًا في الجسم

إنّي أتحدّث عنكَ

أنتَ الحقيقي

عن كتابك الغامض كالمتاهِ

إنّي أتحدّث عنكَ،

لا عن الشواهد والجدران والبيوت والمزارات والصروح

عن الحكمة الموروثة عن سلالتكَ الحجريّة

أتحدّث عنكَ

عن المأثور على قوسِ بابِك:

هنا

جانبُ الظلِّ رَحْبٌ وأبوابُه واسعةٌ والقاصدون كُثُرٌ

وما من طريقٍ إليه

كمنزلٍ ريفيّ وسطَ المروج

لا درب يهتدي إلى بابهِ الضيّق

المتوحّدِ فوق العتبة

لا أنا ولا أنتَ ولا المُبصِرُ في منامِه

ندري ما الخيالات المترائيّة عند مفترَقٍ قريبٍ

 بعيدٍ

عائمٍ على صفحةِ السرابِ الذي ترفَعُه العيونُ المترقّبة

المتعبة

المتوهّمة:

شخوصٌ نابتةٌ في الوعرِ كمخلوقاتِ التوهّم،

– ليست من الأنس وليست من الجنّ –

كأشجار سروٍ مُستنفَدٌ هواؤها

كأعمدة تِلِغراف صامتة،

كأناسٍ ليسوا مثلنا،

نحن أرواح البيوت المطمئنّة،

كأناسٍ

ليسوا مثلكم، أنتم

روّاد السُبُل الزائلة،

بل كمِثْلِ المقيمين عند المفترق،

جنبَ الطريق،

أهل المزارات التي لا يأتيها إلّا غرباءُ

حاملين باقاتٍ وزادًا،

 وشموعًا توقَدُ مرّةً وحيدة لكي تأخذ الريحُ،

 إذا هبّت ريحٌ،

 شعلتَها،

وتبقى، هناك، شموعًا كأعواد البلّور

 المطفأة

سكينةٌ مُطبقةٌ يرجّها زعيق السيّارات المسرعة إلى حطامها

إله ساذَجٌ

إلهٌ ساذَجٌ وفتيٌّ وميت

إله ساَذَجٌ – وفتيٌّ

 لأنّه ميت –

جَعَلتْ له الأيدي الغريبةُ مزارًا عند المفترق،

كومة أحجار رُفِعَت، مُرتَجَلةً،

بجانبِ الطريقِ،

مطوّقة بباقات وعباراتٍ خُطّت على لوحٍ مُرتَجل،

وصورة –

ما كانَ لبعض الوقت صورة –

في إطارٍ مُرتَجَل

لا أحد هنا،

وهنا

لا تُسمّى القبور –

ولو مأهولةً بالموتى –

تلك التي يخلّفها المسافرون –

قبورًا

بل علامات

لمسافرين سوف يمرّون بها

من بعدهم

ويتركون بجوارها قِربَةَ ماء وأطعمةً وأغطيةً وآثار أقدام،

هنا

لا تُسمّى المواكبُ إليها جنازاتٍ بل

أسفار،

لا تُسمّى القبور إلى جانبِ الطريق

 – ولو غير آهلةٍ –

قبورًا

بل مزارات

بيوتٌ مُرتَجلةٌ في العراء

لم تكتمل بعدُ

ولم يقطنها بعدُ

أحدْ

لكنّها، منذ البَدءِ، مأهولة بشخصِ الذكريات

ولا تُسمّى أضرحةً فلا مَن يرقد فيها

مجرّد علاماتٍ يلتفت إليها العابر بسيّارته مُسرِعًا

أو المارّ بها سائرًا على القدمين،

ساهيًا،

لا أشجار باسقة شاكيةً تحيط بها أو تظلّلها،

لا شواهدَ

لا أسماء

لا أسوار

لا شارات

لا دروبَ

أنصابُ عبورٍ خاطف

إذ تمرّ بها مبتعدًا

تتضاءلُ رويدًا قبل أن يحجبها المفترق عن عينيك

قبل أن يحجبكَ عنها،

المفترق

أنتَ لا شيءَ

وحديثُكَ عابرٌ، مثلك،

بين عابرين

لذلك

أتحدّث عنّي،

أنا،

العابرُ قليلًا

في ظنِّك.

تمثّل تجربة الشاعر اللبناني بسام حجار واحدة من التجارب النادرة والخاصة في قصيدة النثر. جاءت انطلاقته أواخر السبعينيات لتشكّل منعطفًا في المسار الشعري لجيل مهموم بالبحث عن مسارب جديدة للكتابة الشعرية، من أجل الخروج على تاريخ سيماؤه النبوة والرؤيوية والثورة.

الشاعر والناقد والمترجم اللبناني الذي عايش الموت طويلًا، وكان الموت، سواء على مستوى فقدان أشخاص محددين أو على صعيد غياب الأشياء الأليفة، هو معين مادته الثرية بالشفافية والمعنى. يقول الشاعر العماني سيف الرحبي: “في الكثير من نصوصه الشعرية، كان يتحدث بلسان الموتى، كان يتحدث كشخص ليس من هذا العالم الذي نعيش. الخطاب الشعري يتقمصه الميت الذي يريد أن يفصح عن بضع كلمات قبل أن يختفي في زحام عالم الأموات وشخيره وكوابيسه. كان يريد ان يختلس بضع ثوان أو لحظات من حياة آفله لا محالة ومنقضية”.

القصيدة التي اخترنا منها أجزاءً نظرًا لحجمها الكبير منشورة في ديوانه الأخير “تفسير الرخام”، الذي يصفه الشاعر عيسى مخلوف: “هو تفسير لموت الذين أحببتهم، لموتك ولموتنا جميعًا. انجلى الموضوع لفرط غموضه وأضحى الغياب هو الحضور”.

ولد بسام حجار في مدينة صور (جنوب لبنان) عام 1955. وتوفي عام 2009. حصل على الإجازة التعليمية في الفلسفة العامة من الجامعة اللبنانية، وتابع دراسته العليا في باريس حيث حصل على دبلوم الدراسات المعمقة في الفلسفة.

عمل في الصحافة منذ عام 1979 فكتب للنداء (1979 ـ 1982) ثم للنهار (1978 ـ 1990)، وهو أحد مؤسسي الملحق الأدبي الأسبوعي لجريدة النهار. عمل منذ 1999 كمحرر وكاتب في “نوافذ” الملحق الثقافي الأسبوعي لجريدة المستقبل إلى حين وفاته.

له مساهمات نقدية وأبحاث وترجمات نشرت في عدد من الصحف والمجلات العربية، وشارك في عدد من الندوات حول الشعر والثقافة العربيين في عمان وباريس ولوديف وكوبنهاغن.

مؤلفاته الشعرية: “مشاغل رجل هادئ جدًا” 1980، “لأروي كمن يخاف أن يرى” 1985، “فقد لو يدك” 1990، “مهن القسوة” 1993، “مجرد تعب” 1994، “حكاية الرجل الذي أحب الكناري” 1996، “بضعة أشياء” 2000، “سوف تحيا من بعدي” (مختارات) 2002، “ألبوم العائلة يليه العابر في منظر ليلي” لإدوارد هوبر 2003، و”تفسير الرخام” 2008. وله أيضًا مجموعة من الأعمال النثرية: “صحبة الظلال” 1992، “معجم الأشواق” 1994، “مديح الخيانة” 1997.

إضافة إلى ذلك لديه العديد من الترجمات لكتب أدبية وفكرية.

الترا صوت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى